
بصيت لأبويا، كان قاعد مكسور، عينه في الأرض مش قادر يرفعها في عيني.. للحظة قلبي وجعني، ده الأب اللي كان بيشيلني وأنا صغيرة. بس افتكرت إيده وهي بتشدني من شعري، وافتكرت سمر وهي بتطـ .ـعن في شرفي وهو ساكت.. قسيت قلبي وقلت لها: “يا أمي، اللي خاف على مرضه مكنش هجم على بنته في بيتها. أنا مش هتنازل عن حقي وحق ابني.. اللي حصل النهاردة ملوش رجوع.”
يوسف أخدني في حـ .ـضنه وخرجنا من المكتب والظابط قاله:
“خد المدام واطلع على أقرب مستشفى حكومي تعمل تقرير طبي بالحالة وبالحمل، عشان المحضر يكمل.”
خرجت من القسم وأنا حاسة إني كبرت ميت سنة في ساعة واحدة.. كنت ماشية وساندة على يوسف، والعالم كله اتغير في نظري. مكنتش عارفة اللي جاي إيه، بس كنت عارفة حاجة واحدة.. إن أمل القديمة ماتت مع أختها، واللي واقفة دلوقتي دي أم بتحارب عشان ابنها.
يوسف كان سايق العربية بأقصى سرعة، وأنا مش سامعة غير صرخة قلبي وصوت أنفاسي المكتومة. دخلنا طوارئ المستشفى، وأنا حاسة إن كل خطوة بمشيها هي حمل تقيل على بطني اللي كانت بتنغز عليا بوجع مش مطمن.
الممرضة أخدتني بسرعة على سرير، ويوسف واقف بره، عينه مش مفارقة الباب، كأنه بيحارب العالم كله عشان اللحظة دي. دخلت الدكتورة، وشها كان هادي بس نظراتها كانت بتفحص كل علامة زرقاء على دراعي ورقبتي بقرف من اللي عملوا فيا كدة.
قالت لي بصوت حنين: “اهدي يا مدام أمل، حاولي تتنفسي براحة..
إحنا هنعمل سونـ .ـار ونطمن على النبض دلوقتي.”
غمضت عيني وبدأت أدعي بكل آية حافظاها، كنت بقول “يا رب استودعتك ما في رحمي، يا رب متكسرش قلبي فيه”. حست بجهاز السونـ .ـار وهو بيتحرك على بطني، والوقت كأنه وقف.. ثواني مرت عليا كأنها سنين، لحد ما فجأة سمعت الصوت ده..
“تيك-توك.. تيك-توك..”
صوت نبض سريع وقوي، صوت حياة بتعاند المـ .ـوت والضـ .ـرب والغل. الدكتورة ابتسمت وقالت: “الحمد لله، النبض تمام، والجنين لسه متمسك بالحياة.. بس في بوادر إجهاض منذر نتيجة الخبط والتوتر الشديد ده.”
دموعي نزلت غصب عني، بس المرة دي كانت دموع راحة.
سألتها بصوت مرعوش: “يعني هو كويس يا دكتورة؟ مش هيجراله حاجة؟”
ردت وهي بتكتب التقرير الطبي اللي الظابط طلبه: “محتاجة راحة تامة، وممنوع الحركة نهائي، وهتمشي على مثبتات قوية. والتقرير ده هكتب فيه كل اللي شايفاه، عشان حقك وحق الطفل ده ميروحش هدر.”
خرجت من الأوضة وأنا ساندة على الممرضة، لقيت يوسف واقف زي المجـ .ـنون، أول ما شافني جرى عليا ويده بترتعش وهو بيمسك إيدي: “ها يا أمل؟ طمنيني؟ ابني جرى له حاجة؟”
قلت له وأنا بحاول أبتسم وسط الوجع: “الحمد لله يا يوسف، ربنا نجاه.. النبض شغال.”
يوسف نزل على ركبته في نص الطرقة وخبى وشه في إيده وهو بيعيط بحرقة، كأن جبل انزاح من على صدره.
قام ومسح دموعه وبص لي بنظرة عمري ما هنسى قوتها: “والله يا أمل، من النهاردة مفيش مخلوق هيقدر يلمس شعرة منك، ولا من اللي في بطنك.. وأهلك دول، حسابهم معايا ومع القانون لسه مخلصش.”
بعد ما اتطمنت على النبض وطلعت من المستشفى، رجعنا القسم تاني. يوسف مكنش عايزني أروح بس أنا صممت، كنت عايزة أحط النقط على الحروف وأنهي الكابـ .ـوس ده بشروطي أنا.
دخلت مكتب الظابط، والكل كان مستني كلمتي. أمي أول ما شافتني جرت عليا ووشها غرقان دموع: “بوس إيدك يا بنتي، أبوكي هيروح مني، السكر علي عليه والكلبشات في إيده ذـ .ب.حتني..
ارحمينا يرحمك ربنا.”
بصيت لأبويا، كان قاعد كأنه كبر عشرين سنة في ساعة، عينه مكسورة في الأرض ومبقتش قادرة تبص في عيني. قلبي وجعني عليه، مهما كان ده اللي شالني وأنا صغيرة، لكن الجرح اللي سابه في قلبي كان غويط قوي.
قلت للظابط بصوت ثابت وجامد: “يا سيادة الظابط، أنا هتنازل عن المحضر بالنسبة لبابا.. عشان سنه ومرضه، وعشان خاطر ربنا مش عشان خاطره هو. بس أخوي أحمد ومراته سمر، المحضر يكمل فيهم للآخر.. اللي يمد إيده على لحمه ويطـ .ـعن في شرفي، ملوش عندي رحمة.”
أحمد صرخ بغل:
“بقى بتسجـ .ـني أخوكي يا أمل؟”
رديت عليه بكل قوة: “أنت اللي سجـ .ـنت نفسك لما نسيت إني أختك، ولما سبت مراتك تنهش في عرضي وأنت واقف بتتفرج.. أنت مكنتش أخ، أنت كنت وحش.”
الظابط أمر العساكر فوراً: “خدوا المتهمين على الحجز، والمدام تمضي على التنازل الجزئي لوالدها.”
سمعت صراخ سمر وهي بتتسحل للحجز، وأحمد وراها وشه مسود من الصدمة. أبويا فكوا الكلبشات من إيده، وقام وقف قدامي وهو بيرعش، حاول يمسك إيدي بس أنا سحبتها براحة وبعدت خطوة لورا.
قلت له والدموع محبو. ـسة في عيني: “يا بابا، أنا سامحتك عشان ربنا، بس مش هقدر أنسى..
البيت اللي دخلتوه عشان تكسروني وتقـ .ـتلوا ابني، متبقوش تعتبوه تاني. من النهاردة أنا ماليش أهل غير جوزي وأولادي.. انتم اللي اخترتوا الورث، وأنا اخترت حياتي.”
أمي حاولت تمسكني وهي بتعيط: “يا بنتي حرام عليكي، هنعيش إزاي وأنتِ مقطعة بينا؟”
بصيت لها بكسرة وقلت: “زي ما عشت السنة اللي فاتت وأنا خادمة لعيال أختي ودافنة نفسي بالحيا وانتم مستخسرين فيا الفرحة.. عيشوا حياتكم بعيد عني، وخلوا سمر وأحمد ينفعوكم.”
يوسف مسك إيدي وشدني عليه، وبص لأهلي بجمود وقال: “أظن الكلام واضح..
المدام محتاجة راحة، وأي حد هيفكر بس يقرب من باب بيتنا، المرة الجاية مفيش تنازل.”
خرجت من القسم وأنا حاسة إني رميت حمل جبل من فوق كتافي.. قفلت باب الماضي ورايا بالترباس، ومشيت وأنا ساندة على يوسف، وعيني على بطني، وكأني بقول لابني: “متخافش يا حبيبي، أمك باعت الدنيا كلها عشانك.”
تمت